الفيض الكاشاني
326
أنوار الحكمة
عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » [ 18 / 49 ] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ 3 / 30 ] . فمن كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين وكان معلوماته أمورا مقدّسة وأعماله صالحة ، فقد أوتي كتابه بيمينه من جهة علّيين : إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [ 83 / 21 ] . وذلك لأنّ كتابه من جنس الألواح العالية والصحف المكرّمة ، المرفوعة المطهّرة بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرامٍ بَرَرَةٍ [ 80 / 15 - 16 ] ، فليس عليه سوى العرض كما قال - عزّ وجلّ - : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ - إلى قوله « 2 » : - فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [ 69 / 19 - 24 ] . وقال : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً [ 84 / 7 - 8 ] - وهو العرض كما دريت . ومن كان من الأشقياء المردودين ، وكان معلوماته مقصورة على الجرميّات ، وأعماله خبيثة ، فقد أوتي كتابه بشماله من جهة سجّين : إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ 83 / 7 - 10 ] . وذلك لأنّ كتابه من جنس الأوراق السفليّة والصحائف الحسيّة القابلة للاحتراق ، فلذلك يعذّب بالنار كما قال - سبحانه - :
--> ( 1 ) في هامش ر : « ويقال : يستخرج لهم كتاب عظيم يسدّ ما بين المشرق والمغرب ، فيه أعمال جميع الخلائق ؛ فما من كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها ، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً . وذلك أنّ أعمال الخلائق يعرض على اللّه في كلّ يوم ، فيأمر الكرام البررة أن ينسخوا في ذلك الكتاب العظيم ، وهو قوله تعالى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - منه » . ( 2 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * قُطُوفُها دانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ .